—لو مش هتسمعي الكلام، هنرجعك مصنع الأطفال نغيرك! دي كانت أول جملة سمعتها "مريم" أول ما فتحت باب شقتها في مدينة نصر، بعد 24 ساعة بس من عملية الزايدة. الدكتور وافق يخرجها بدري لأنها كانت بتعرف تمشي من غير ما تدان، بس كل خطوة كانت بتشد على الجرح وتولع نار في بطنها. كان كل همها ترجع لـ "فريدة" بنتها، صاحبة الـ 4 سنين، اللي سابتها مع أختها الصغيرة "نور". مريم دخلت بالراحة، إيد على الغرز وإيد ماسكة المفاتيح. وفجأة سمعت صوت عياط هادي. —لا عشان خاطرك يا تيتة.. والله هسمع الكلام! ده كان صوت فريدة. مريم مشيت في الطابق بالراحة ووقفت في مكانها متسمرة. في نص الصالة كانت فيه كرتونة سجاد كبيرة. ومكتوب عليها بـ "قلم فلوماستر" أسود بخط عريض: "رتجاع — مصنع الأطفال". جوة الكرتونة كانت فريدة، بالبجامة المزركشة، خدودها مبلولة دموع وإيديها الصغيرة ماسكة في أطراف الكرتونة بلهفة. قدامها كان واقف راجل مريم عمرها ما شافته، ماسك في إيده بكرة بلاستر عريض. وعلى الكنبة، أمها "عواطف" قاعدة بتضحك من قلبها. و"نور" أختها واقفة بتصور الموقف كله بالموبايل. —نزلي راسك يا شاطرة —الراجل الغريب قالها وهو بيقرب— لازم أقفل الكرتونة كويس عشان أخدك معايا في العربية. فريدة بدأت تصرخ وشهقاتها تعلى: —ماما راجعة! والله ماما بتحبني مش هتسيبني! مريم حسيت إن فيه حاجة اتكسرت جواها في اللحظة دي. —بس. ماصرختش.. مكنتش قادرة، بس الكلمة طلعت زي السك..ينة. الثلاثة بصلولها فجأة. نور نزلت الموبايل بسرعة. وعواطف ضحكتها اختفت من على وشها. —ايه ده يا مريم؟ —أمها قالت بنبرة تودد مغشوشة— خرجتي خلاص؟ كنا بنهزر معاها يا شيخة! مريم ما ردتش. مشيت بخطوات ثقيلة لحد الكرتونة، شالت فريدة بالعافية وحضنتها في صدرها رغم إن جرحها كان بيموتها من الوجع. —أنا هنا يا حبيبتي.. محدش يقدر ياخدك مني أبداً. بعدها بصت للراجل الغريب: —أنت مين؟ —أنا أستاذ "سامح".. صاحب والدتك. كنت بس بجاريهم في الهزار. —برة شقتي فوراً. سامح خد جاكيتته وجري من الباب من غير ولا كلمة. عواطف أخدت نفس بغضب: —أنتِ طول عمرك بتكبري المواضيع ليـه؟ البنت كانت بتتعلم الأدب وتسمع الكلام! —عندها 4 سنين يا أمي! —عيال الأيام دي دلوعين وعايزين العين الحمرا! مريم اتلفتت لنور: —هاتي الموبايل ده. —ليه يعنى؟ مريم شدت الموبايل من إيدها قبل ما تنطق. فتحت الفيديو، بعتته لنفسها على الميل، ورمت الموبايل على الترابيزة. —أمي.. قدامك 10 دقايق ولمي حاجتك وامشي. عواطف وقفت بذهول وزعيق: —أنتِ بتطرديني؟ بعد كل اللي عملته عشانكم؟ مريم عينها حادة وما رمشتش حتى: —ونور.. قدامك ساعة زَمَن وتكوني فضيتي الأوضة ومفضية الشقة. —أنتِ اتجننتي؟! أنا عايشة هنا معاكي! —كنتِ عايشة هنا. فريدة كانت لسة كتمة نفسها ودفنة وشها في رقبة مريم.. السكوت ده كان يرعب أكتر من العياط. ليلتها، وفريدة نايمة في حضنها ومشبكة في هدومها، مريم فتحت الفيديو وشغلته كاملاً. وهناك شافت الكارثة اللي مكنتش واخدة بالها منها وهي داخلة: قبل ما يحطوا فريدة في الكرتونة، أمها "عواطف" كانت بتقول لنور بوضوح: "لو مريم جرى لها حاجة في المستشفى وما رجعتش، هنقول إننا أخدنا البنت الجديدة من المصنع ونسلم فريدة للجمعية". نور كانت بتضحك في الفيديو.. وسامح رفع فريدة من تحت دراعاتها وهي بتصرخ وتترجاهم: —لااا! ما تبدلنيش! أنا عايزة مامااا! مريم قفلت الفيديو وإيدها بترتعش من الصدمة. الموضوع مكنش هزار ولا لعب عيال.. الأنادال دول كانوا مرتبين كل حاجة! وتاني يوم الصبح، مريم أخدت قرار هيطربق اللي فاضل من العيلة دي على دماغهم كلهم. ومكنتش تتخيل هما ممكن يعملوا إيه عشان يمنعوها... : الساعة 8 الصبح، نور رجعت الشقة عشان تاخد حاجتها بوش متدرب كويس أوي قدام المراية. —أنا فهمت خلاص.. إحنا زودناها شوية. بس مش هترميني في الشارع عشان مجرد تهريج! مريم فتحت الباب على أد الجنب. —قدامك 3 ساعات. —وأروح فين يعني؟! —في أي حته تريحك.. المهم مش هتعيشي مع بنتي تحت سقف واحد تاني. نور دخلت شايطة وبدأت تلم هدومها في الشنط. في الوقت ده، فريدة كانت قاعدة بتلون في المطبخ من غير ولا كلمة. قبل اليوم ده كانت بتقعد تحكي قصص عن كل رسمة، عن السحاب وعن الكلب اللي بترسمه.. دلوقتي حتى مش راضية ترفع رأسها. المنظر ده كان القشة اللي قطعت ظهر البعير بالنسبة لمريم. مريم شغالـة سكرتيرة في مكتب محاماة كبير، فكلمت محامية شاطرة من زمايلها في شغلها. فرجتها على الفيديو. المحامية اتفرجت عليه للاخر، ووشها جاب ألوان وغضب: —يا مريم.. دي مش مجرد هبلة! ده يعتبر عنف نفسي وإساءة لمعاملة طفل، وغير كده فيه شخص غريب مشترك معاهم. لازم تروحي تعملي محضر في النيابة وتطلعي قرار بعدم التعرض. في نفس اليوم، وجرح العملية لسة ملفوف بالغيارات، مريم راحت قسم الشرطة في مدينة نصر. قدمت الفيديو وكتبت أسماء نور، وعواطف، وسامح بالكامل. بعد أسبوع، الجوابات والاستدعاءات وصلت للبيت. نور كلمتها الأول وهي بتصرخ: —أنتِ بجد عملتي في أختك محضر وبلاغ في النيابة؟! —أنتِ اللي عملتي كده في نفسك. —ده كان هزااار! —بنتي بتصحى نص الليل تعيط وتسألني: "هتبدليني ببنت ثانية يا ماما؟!". بعدها عواطف كلمتها: —مفيش بنت تودي أمها القسم يا مريم! —أنا بحمي بنتي يا أمي. سامح كمان طلبها على الموبايل: —يا مدام.. أنا مكنتش أعرف إن البت هتاخد الكلام على أعصابها أوي كده! —هي قالتلك ما تلمسنيش وأنت مسكتها بالعافية. —العيال بتعيط من أي حاجة! مريم قفلت السكة في وشه. بعدها بـ كام يوم، مريم ودت فريدة الحضاناية. نبهت على المدرسين بطلب شفهي إن مفيش حد يستلم البنت غيرها، بس نسيت تطلع الإقرار المكتوب الموثق بالمنع. على الضهر، جيلها مكالمة من مدرسة الحضانات: —مدام مريم.. الحقي تعالى بسرعة! أختك "نور" واقفة برة ومصممة تاخد فريدة. مريم حسيت إن دمها اتصفى. لما وصلت، لقيت فريدة حاضنة شنطة الأكل في صدرها ووشها أصفر زي الليمونة: —ماما.. ما تسيبينيش! نور كانت بتحاول تقرب منها وتقول للمدرسين: "والله ده سوء فهم وإحنا عيلة واحدة!". ليلتها.. فريدة دورت تحت السرير، وجوة الدولاب، وورا الباب.. ورفضت تماماً تطفي النور. تاني يوم، دكتورة نفسية أطفال أكدت إن فريدة عندها أعراض صدمة نفسية، وقلق انفصال حاد، وخوف مرضي من التخلي. بالتقرير الطبي ده، بالفيديو، وبواقعة الحضاناية.. مريم قدرت تطلع أمر حماية ومنع تعرض صارم من النيابة. افتكرت إن كده خلاص وهيرتدعوا.. بس كانت غلطانة. في يوم، وهي راجعة من السوبرماركت ماسكة كيس العيش واللبن وفي إيدها فريدة، لقيت عواطف ونور وسامح مستنيينها قدام مدخل العمارة. سامح كانت ريحته طالعة خمرة ورايح جاي. —اسحبي البلاغ ده فوراً! —سامح قالها وهو بيقرب. مريم طلعت موبايلها بسرعة وشغلت التسجيل من جوة الشنطة. —ابعد عني. سامح مسكها من دراعها بقوة: —بقولك اسحبي المحضر بدل ما تزعلي! فريدة صرخت بأعلى صوتها. وفجأة.. طلع صوت من الشباك بتاع الشقة اللي قصاد العمارة: —كل حاجة متصورة من فوق! والبوليس في السكة! دي كانت الحاجة "أم أحمد" الجارة، واقفة في البلكونة ومرفعة موبايلها بتصورهم. سامح ساب دراع مريم بسرعة. نور وشها جاب ألوان من الخوف. وعواطف بدأت تشتم وتزعق للجارة. بس كان الفأس وقعت في الرأس.. لأول مرة، مريم مكنتش لوحدها وكلامها مش مجرد شكوى. بقى معاها شهود، وتسجيل صوتي، وفيديو جديد، وخرق صريح لقرار عدم التعرض الرسمي. ولما وكيل النيابة راجع الملف كله تاني يوم، رفع عينه من الورق وبص لمريم وقال جملة غيرت مجرى القض..ية تماماً: —إحنا كده مابقتش القض..ية مجرد "هزار ثقيل" مع طفلة.. إحنا دلوقتي قدام الشروع في خطف وترويع طفل وتعدي صريح! الجزء الثالث والأخير ساد الصمت في مكتب وكيل النيابة. الكلمة نزلت على الكل زي الصاعقة: "شروع في خطف وترويع طفل". المحامية بتاعة مريم قربت من المكتب بثقة وقدمت التسجيل الصوتي الجديد اللي سجلته مريم بالموبايل، مع شهادة الحاجة "أم أحمد" الجارة، وفيديو البلكونة اللي بيوضح سامح وهو بيعتدي على مريم وبيحاول يمسكها بالعافية قدام العمارة. وكيل النيابة بص للملف بصرامة، ومسح على وشه وقال: —الأمر كده اختلف تماماً. استخدام كرتونة مكتوب عليها "ارتجاع"، مع اتفاق 3 أفراد، ومحاولة أخذ الطفل من الحضانات بدون إذن ولي الأمر الشريعي، وأخيراً التهديد والاعتداء أمام العمارة... دي عناصر جري..مة متكاملة. في نفس اليوم، صدرت أوامر ضبط وإحضار عاجلة بحق عواطف، ونور، وسامح. ساعات قليلة، وكانت الشرطة نازلة على شقة عواطف في منطقة عين شمس. المنظر كان صدمة للجميع. عواطف كانت فاكرة إن الموضوع أمهات وبنات ومحدش يقدر يلمسها، بس لما لقيت أمناء الشرطة واقفين على الباب وبيحطوا الكلبشات في إيد سامح ونور، قعدت تصرخ وتصوت في الشارع: —يا ناس يا عالم! بنتي بتسجن أمها عشان حتة لعبة مع البت! يا فواجع الأيام! بس المرة دي، محدش من الجيران اتعاطف معاها. الفيديو كان اتسرب على جروبات المنطقة، والكل عرف اللي عملوه في الطفلة الصغيرة وهي عيانة وأمها في المستشفى. في التخشيبة، القناع سقط تماماً. سامح لما حس إن فيها سجن بجد، اعترف على طول في التحقيقات: —أنا ماليش دعوة يا باشا! عواطف هي اللي اتفقت معايا. كانت عايزة تضغط على مريم عشان تنازلها عن نصيبها في شقة مدينة نصر، وقالتلي نعمل الحركة دي ونخوف البنت عشان مريم لما ترجع من المستشفى تقتنع إنها مش قادرة تشيل المسؤولية لوحدها وتوافق على شروطهم! نور هي كمان انهارت في التحقيق، وعيطت وهي بتقول إن أمها هي اللي زقتها تصور وتعمل كده عشان يكسروا شوكة مريم. عواطف كانت قاعدة مصدومة من خيانة سامح ونور ليها، ومصدومة أكتر إن مريم ما تراجعتش ولا لحظة. بعد عدة أشهر من الجلسات والتحقيقات، أصدرت المحكمة حكمها الرادع: * السجن المشدد 3 سنوات لـ "سامح" بتهمة الشروع في الخطف والترويع والاعتداء. * السجن سنة مع الشغل لـ "نور" للمشاركة في الج..ريمة والتصوير وتسهيل الترويع. * الحبس 6 أشهر مع وقف التنفيذ لـ "عواطف" نظراً لكبر سنها، مع قرار حظر تعرض نهائي ومؤبد يمنعها من الاقتراب من مريم أو فريدة لمسافة لا تقل عن 500 متر، تحت طائلة السجن الفوري. يوم النطق بالحكم، عواطف حاولت تقرب من مريم وهي طالعة من قاعة المحكمة، ودموعها نازلة على وشها: —سامحيني يا مريم.. أنا أمك! هتسيبيني لوحدي في آخر عمري؟ مريم وقفت بصلابة، وبصت لأمها بنظرة هادية بس ماليها الثبات: —الأمومة مش مجرد اسم في البطاقة يا أمي.. الأمومة يعني حماية وأمان. أنتِ نسيتي إني بنتك، وهنتِ على حفيدتك وهي عندها 4 سنين عشان شوية أطماع. أنا مش بنتقم منك.. أنا ببني سور حماية حوالين بنتي عشان تعيش سوية. سابتها ومشيت من غير ما تلتفت وراها ولا مرة. مرت سنة كاملة على الأحداث... في شقة هادية في التجمع الخامس، مريم نقلت هي وفريدة عشان يبدأوا حياة جديدة بعيد عن كل ذكريات الماضي. فريدة رجعت تضحك من تاني. المتابعة النفسية جابت نتيجة ممتازة، وضحكتها بقت تملى الشقة وهي بتلون وتجري. في مسا يوم دافي، فريدة جاءت تجري وحضنت مريم وهي مسكة رسمة جديدة: —ماما! بصي رسمت إيه؟ مريم بصت على الورقة.. كانت رسمة لبيت صغير، وجواه قلب كبير مكتوب تحته بخط طفلي: "ماما وفريدة بسبس". مريم شالتها وحضنتها بقوة، والجرح اللي في بطنها مابقاش يوجعها خلاص.. لأن الجرح الحقيقي اللي كان في قلبها التأم يوم ما عرفت تاخد حق بنتها وتحميها من أقرب الناس. الدرس كان قاسي، بس حقيقة واحدة أثبتتها الأيام: الأمان مش بالدم.. الأمان بالحب والحماية.