مرات ابويا

الخبر انتشر في البلد زي النار في الحطب. في أقل من ساعة، كانت دكاكين القرية ومصاطب البيوت مفيش على لسانها غير حكاية “سلمى” اللي خرجت من بيت أبوها بشنتين قماش، ودخلت بيت المنشاوي وهي ست المكان.
في الدوار تحت، المأذون قفل الدفتر، والحاج متولي شيخ البلد قام سلم على راشد وضغط على إيده بحرارة:
“مبروك يا راشد يا ابن الأصول.. صنتها وصنت نفسك، وربنا يجعله جيزة العمر ويباركلك في بيتك.”
راشد هز راسه بهدوء ووقار:
“الله يبارك فيك يا حاج.. عقبال أولادك.”
أول ما الضيوف خرجوا والباب الكبير اتقفل، خيم الهدوء على الصالة تاني. أم صابر كانت واقفة عند زاوية المطبخ، لافة دراعاتها على صدرها وبتبص لسلمى بنظرة شفرتها مش مفهومة؛ خليط من الذهول والغيرة على مكانتها في البيت اللي كانت بتديره لوحدها من خمس سنين.
راشد لف لسلمى، بص في عينيها بثبات، وبعدين اتجه ناحية أم صابر وقال بنبرة هادية بس مفيهاش مجال للنقاش:
“يا أم صابر.. من النهاردة، سلمى هي صاحبة البيت ده. الكلمة كلمتها، والمفاتيح في إيدها. أي حاجة تخص المطبخ أو البيت ترجعي فيها ليها الأول.”
أم صابر بلعت ريقها بالعافية، وشها اتشد، بس هازت رأسها بقلة حيلة:
“أمرك يا حاج.. مبروك يا ست سلمى.”
سلمى قربت منها خطوة، وبصت في وشها بابتسامة دافية وهادية، من غير أي استعلاء أو غرور:
“الله يبارك فيكي يا أم صابر.. البيت ده قايم بيكي من سنين، وأنا مش جاية أغير نظامك، أنا جاية أساعدك ونشيل البيت سوا.”
أم صابر اتفاجئت بالكلام، ملامح وشها المتشنجة بدأت تفك شوية بشوية، وهزت رأسها بقلة حيلة احتراماً لموقفها:
“ربنا يخليكي يا بنتي.. أصيلة من يومك.”
راشد تابع الموقف بعينيه، وعلامات الرضا ظهرت في عينيه من غير ما يتكلم. مشي ناحية الباب الخشب الكبير، مسك الشال أطرافه وضبطه على كتفه:
“أنا طالع المزرعة، عندي تسليم شحنة مواشي للتاجر، وراجع على المغربية. لو احتاجتي أي حاجة يا سلمى، معوض بره عند البوابة.”
سلمى هازت رأسها:
“مع السلامة يا حاج.. ربنا يقويك.”
أول ما خرج، الجو بقى هادي. سلمى ما ضيعتش وقت، ولا قعدت تحس بالانتصار. رفعت أكمام جلابيتها البسيطة، ومسكت الميدالية التقيلة في إيدها. نزلت المطبخ مع أم صابر، فتحت المخازن، بدأت تتفحص الحسابات والدفاتر، وترتب الرصيد اللي كان متلخبط من فترة. إيدها اللي كانت بتخيط الغرز بدقة في قماش الخياطة، بدأت ترتب البيت بلمسة أنثوية وذكاء عالي.



