مرات ابويا

المرادي ما كانوش داخلين بعصبية أو بقلة قيمة زي المرة اللي فاتت. نوال كانت ماشية بتتلفت حواليها بذهول، عينيها بتاكل النظافة والترتيب اللي بقى في الدوار، وشجر الموالح اللي تقلم وتظبط، والدفء اللي مالي المكان. وداليا كانت ماشية وراها بكسرة عين حقيقية، أخيرًا استوعبوا إن سلمى مش راجعة، وإن المكان ده بقى ملكها.
سلمى رفعت عينها من على الدفتر. ما قامتش تجري، ولا اتوترت. فضلت قاعدة بمقامها، وشاورت لأم صابر بهدوء:
* “هاتي كباية شاي للضيوف يا أم صابر.”
نوال قربت بخطوات متسلسلة، وقعدت على طرف الكرسي بتودد مصطنع وصوت حنين غريب:
* “إزيك يا سلمى يا بنتي؟ قلبي كان أكلني عليكي، قلت أجي أطمن عليكي بنفسي ونشوف احتياجاتك.”
سلمى بصلتها بنظرة هادية جداً، مفيهاش أي غل، بس فيها مسافة أطول من السكة بين بيت أبوها والمزرعة:
* “الحمد لله يا مرات أبويا.. أنا في خير ونعمة، والحاج راشد مش مخلي بيته محتاج حاجة.”
داليا قعدت جنب أمها، بصت لإيد سلمى وللغوايش الدهب، وقالت بنبرة خافتة خالية من السخرية بتاعة زمان:
* “البيت بقى شكله حلو أوي يا سلمى.. الناس في البلد كلها مبقاش حيلتهم غير الكلام عن شطارتك في حسابات المزرعة، وعن هيبة الحاج راشد وهو بيمشي كلامك قدام الكل.”
سلمى حطت القلم على الدفتر، وبصت لداليا مستقيمة:
* “عشان الراجل الأصيل لما بيدي الأمان لست، بيخليها تقف على حيلها.. مش بيكسرها يا داليا.”
الكلام نزل على نوال وداليا زي المية الساقعة. نوال بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تغير الموضوع:
* “أصل أبوكي عبد الرحمن رجله تعبانة شوية، وكان يتمنى يزورك بس…”
قبل ما تكمل جملتها، اتفتح باب الدوار الخشب.
دخل راشد. هيئته العريضة وجلابيته الكحلي النظيفة وهيبته المعتادة ملأت المكان. أول ما شافهم واقفين، خطواته تهادت. بص لنوال ولداليا بنظرة واحدة جافة، وبعدين تحولت عينه فوراً لسلمى، والجمود اللي في وشه اتفك لراحة ودفء حقيقي.
قرب راشد من السفرة، حط إيده على حرف الدفتر اللي قدام سلمى، وقال بنبرة واضحة سمعت الكل:
* “صباح الخير يا ست البيت.”
سلمى رفعت عينها وابتسمت له:
* “صباح النور يا حاج.. نورت البيت.”
راشد بص لنوال وقال بجفاف ومقام عالي:




