مرات ابويا

سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كبرياء مكتوم:

“أنا كنت بمسك حسابات دكان أبويا، بس المزرعة دي كبيرة أوي يا راشد.”

راشد هز راسه بثبات وقال بصوت دافي:

“ما يغلاش على مخك حاجة. أنتِ من النهاردة مش بس ست البيت.. أنتِ شريكتي في كل قرش يدخل ويخرج من البوابة دي.”

مسكت سلمى الدفتر، فتحت أول صفحة، وبصت للسطور المكتوبة بخط إيد راشد التقيل. بدأت تقرأ الأرقام وتراجعها بعينيها، وفي ثواني، صباعها وقف عند خانة معينة، رفعت عينيها وقالت بنبرة ذكية:

“تُجار المواشي محتسبين عليك نسبة هالك 5% في الشحن.. النسبة دي كبيرة أوي على المسافة بين هنا وبين مركز التجميع.”

راشد بصلها بذهول، وعينيه لمعت بإعجاب حقيقي، ضحك ضحكة قصيرة واطية.. ضحكة أول مرة تسكت جدران البيت ده من سنين:

“أهو شفتي؟ من أول دقيقة وفرتي عليا اللي العمال ما جابوهوش في سنة!”

في اللحظة دي، اتسمعت خبطات تقيلة وعنيفة على البوابة البرانية، المطر كان شديد، بس الخبط كان فيه غل واضح.

سلمى جسمها اتشد، وبصت ناحية الباب. راشد ملامحه تحولت في ثانية للجمود والهيبة اللي كانت مرعبة لأي حد في البلد. قام وقف بهدوء، وعدّل شاله، وقال بصوت حازم:

“خليكي مكانك يا سلمى.. كملي الشاي بتاعك.”

خرج راشد وفتح باب الدوار. كان واقف عند البوابة معوض العامل، وجنبه راجلين من كبارات البلد، ووراهم واقف عبد الرحمن.. أبو سلمى، ومراته نوال، وداليا أختها لافة شالها على راسها وواقفة بتبص بفضول وحقد.

راشد وقّف على عتبة الباب، ما عزمهومش يدخلوا، وقال بصوت تقيل زي الصخر:

“خير يا عبد الرحمن؟ جايب حريمك وجاي على بوابتي في نص الليل والمطر شغال ليه؟”

عبد الرحمن كان بيفرك إيديه في بعض من الخجل، بس نوال زقت نفسها وقالت بصوت متوتر بتحاول تخليه قوي:

“إحنا جايين نطمن على سلمى يا حاج راشد! الناس في البلد بتاكل وشنا، يقولوا جوازة سلقة بيض! لا شبكة اتلبست قدام الناس، ولا أصول اتعملت، ولا إحنا عارفين بنتنا اتجوزت ولا اتأجرت لحسابات البيت!”

داليا بصلت المزرعة والدوار اللي القناديل منورة فيه بغيره واضحة، وقالت بصوت واطي بس مسموع:

“أيوه.. يعني هي بقت الخدامة الجديدة هنا ولا إيه؟”

قبل ما عبد الرحمن ينطق كلمة، راشد أخد خطوة واحدة لجامة ناحية البوابة، هيبته خلّت نوال ترجع خطوة لورا تلقائياً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *