مرات ابويا

“مين هيقبل واحدة أرملة ومابتخلفش ؟” قالت مرات أبويا الجملة دي وأنا قاعدة على بُعد كام خطوة منها. ولا حتى حاولت توطي صوتها. هي عمرها ما كانت بتوطي صوتها لما يكون قصدها تجرحني. كان الجو بره شتا، والمطر بيخبط جامد على إزاز شبابيك البيت القديم في قرية صغيرة على أطراف المنوفية، والهواء كان بيزق في الشبابيك الخشب لدرجة إن الإزاز كان بيرتعش.
وأنا كنت قاعدة في هدوء بخيط هدومي.

غرزة.
وبعدها غرزة تانية.
كل ما عيني تفضل على الإبرة، كل ما أقدر أتجنب إني أبص في وش مرات أبويا.
اسمي كان “سلمى عبد الرحمن”.
عندي أربعة وعشرين سنة، وأرملة من سنتين، وبالنسبة لمعظم أهل البلد، حياتي كانت انتهت من يوم ما جوزي مات.
جوزي الأول، “حسام”، مات في حادثة وهو راجع من الأرض.
اتجوزنا سنة وأربع شهور بس.
وماخلفناش.
وده بالنسبة لعيلته كان كفاية جدًا عشان يحكموا عليّا.
بعد جنازته بحوالي تلات أسابيع، أمه قالتلي بمنتهى البرود:
“الست المحترمة لازم تسيب وراها عيل.”
وإخواته أخدوا البيت، بحجة إنه ملك للعيلة من زمان.
رجعت بيت أبويا وأنا شايلة شنطتين بس، ومعاهم سمعة أنا عمري ما استاهلتها.
عاقر.
ناشفة.
منحوسة.
ما بتخلفش.
كلام الناس في البلاد الصغيرة بيمشي أسرع من الحقيقة.
وأختي من مرات أبويا، “داليا”، كانت واقفة جنب الشباك يومها، لابسة فستان جديد لونه أخضر.
بصتلي وابتسمت ابتسامة مستفزة.
وقالت:
“حتى الراجل الغلبان نفسه في حتة عيل يخلفه.”
أبويا قال بصوت ضعيف:
“داليا… خلاص.”
لفتله وقالت:
“خلاص إيه؟ أنا بقول الحقيقة.”
أبويا، “عبد الرحمن”، نزل عينه في الأرض.
وده كان كل دفاعه عني.
يبص في الأرض.
يقول كلمتين مترددين.
وبعدين يسكت.
مرات أبويا، “نوال”، شبكت صوابعها قدام صدرها وقالت:
“إحنا مش هنقدر نفضل شايلين سلمى طول العمر.”
بصيتلها وقلت بهدوء:
“أنا بشتغل.”
ضحكت بسخرية.
“بتخيطي هدوم يعني؟”
“وبساعد بابا في الحسابات.”
قالت:
“وبتاكلي كمان.”
الجملة نزلت عليّا أتقل من أي شتيمة.
بصيت لأبويا.
مستنية منه كلمة واحدة.
لكنه ما قالش حاجة.
وفجأة…
خبط حد على الباب.
مش خبطة عادية.
تلات خبطات تقيلة، خلت كل اللي في البيت يسكت.
الخدامة راحت فتحت الباب.
وكان واقف على العتبة راجل طويل وعريض، لابس جلابية صوف تقيلة فوقها جاكت شتوي غامق، وجزمته عليها تراب من الطريق.
وشه كان مسمر من الشمس، وملامحه هادية لكن فيها هيبة تخلي أي حد قدامه يحسب كلامه قبل ما يتكلم.
أنا عرفته فورًا.
“راشد المنشاوي.”
أكبر صاحب أراضي ومواشي في المنطقة.
كان عنده مزارع كتير، وبيملك أرض واسعة في أطراف البلد، ومخازن غلال، ومزرعة مواشي كبيرة، وعمال بالعشرات شغالين عنده.
الناس كلها كانت عارفة حكايته.
مراته ماتت من خمس سنين، ومن يومها وهو رافض كل محاولات الجواز اللي كانت بتجيله.
أبويا قام بسرعة من مكانه.
وقال:
“يا أهلا يا أستاذ راشد.”
راشد شال الجلابية عن كتفه شوية وخلع الطاقية الصوف من على راسه.
وقال:
“إزيك يا عبد الرحمن؟”
مرات أبويا اتغيرت ملامحها في ثانية.
وشها اللي كان مليان تكشيرة بقى فجأة بشوش.
وصوتها اتحول لصوت حنين مصطنع.
وقالت:
“يا أهلا وسهلا، البيت نور والله.”
راشد حتى ما بصش لها.
عينه لفت في الصالة.
وبعدين وقفت عليّا.
#انجي_الخطيب
مش على الفستان القديم اللي لابساه.
ولا على إيدي اللي فيها آثار الخياطة.
بص في وشي مباشرة.
وقال:
“دي سلمى؟”
البيت كله سكت.
أبويا بلع ريقه وقال:
“أيوه.”
وبعدين، كأنه بيقدم له حاجة بايظة أو ناقصة، قال:
“بنتي الكبيرة… أرملة… وماخلفتش.”
مرات أبويا دخلت بسرعة في الكلام:
“وللأسف، على حسب اللي اتقال، الدكاترة شايفين إنها مش هتخلف.”
جسمي كله اتشد.
راشد ما اتغيرتش ملامحه.
أما داليا، فقربت منه شوية وقالت:
“أختي عدت بظروف صعبة جدًا.”
بصيتلها وأنا جوايا غضب.
كنت تقريبًا هضحك من كتر التمثيل.
هي نفسها كانت من شوية بتتكلم عليّا كأني عار على البيت.
لكن قبل ما أقول أي كلمة…
راشد قال بهدوء:
“أنا ماجتش أسأل إذا كانت سلمى هتخلف ولا لأ.”
مرات أبويا رمشت كذا مرة.
مش فاهمة هو رايح لفين.
راشد بصلي.
وقال:
“أنا جيت أسألها إذا كانت تقبل تتجوزني.”
الإبرة وقعت من إيدي.
ولا حد اتكلم.
داليا فتحت بوقها من الصدمة.
وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة، كأنها فاكرة إنه بيهزر.
لكن لما شافت وشه…
ضحكتها اختفت.
أبويا مسك ظهر الكرسي بإيده.
وقال:
“سلمى؟”
راشد أخد خطوة ناحيتي.
وقال:
“أنا سمعت الناس بتقول عنك إيه.”
وشي سخن من الإحراج.
بس هو كمل قبل ما أهرب بعيني.
“وسألت عنك.”
اتصدمت.
“سألت مين؟”
قال:
“سألت صاحب الصيدلية عن جوزك.”
سكت لحظة.
“قالي إنك دفعتي جزء كبير من حساب علاجه حتى بعد ما أهله رفضوا يتحملوا المصاريف.”
قلبي دق بسرعة.
وكمل:
“وسألت مدرسة الوحدة الصحية عنك، قالتلي إنك كنتي بتعلمي تلات بنات من بنات الغلابة القراءة والكتابة في الصيف.”
بص لأبويا.
“وسألت الراجل اللي بيورد العلف ليكم.”
وبعدين رجع بصلي.
“قالي إنك اكتشفتي غلطة في حسابات أبوكي كانت هتخليه يدفع نفس الفاتورة مرتين.”
مرات أبويا وشها اتشد.
واضح إنها مش مصدقة اللي بتسمعه.
راشد قال بهدوء:
“أنا مش مهتم بكلام الناس عن جسمك.”
سكت لحظة.
“ولا مهتم بإشاعة حد قالها عنك.”
وبعدين مد إيده ناحيتي.
“أنا مهتم بالست اللي أنا شايفها قدامي.”
بصيت لإيده.
وبعدين رفعت عيني له.
صوتي خرج ضعيف:
“ليه أنا؟”
راشد رد من غير تردد:
“عشان بيتي كبير.”
سكت شوية.
وقال:
“وفاضي.”
الكلمة دي وجعتني بطريقة غريبة.
لأني فهمت إنه هو كمان كان عايش لوحده.
وبعدين قال:
“أنا مش عايز واحدة تتزين وتقعد في البيت وخلاص.”
ثبت عينيه في عيني.
“أنا عايز واحدة أقدر أقعد معاها على سفرة واحدة بعد عشر سنين ولسه أحترمها زي النهارده.”
داليا ما استحملتش.
قالت بسخرية:
“هتندم.”
راشد لف ناحيتها.
وقال كلمة واحدة:
“لأ.”
ما علاش صوته.
ما هددهاش.
لكن داليا رجعت خطوة لورا من غير ما تحس.
رجع بصلي.
وقال:
“مش هطلب منك تردي دلوقتي لو محتاجة تفكري.”
بصيت حواليا.
بصيت لمرات أبويا.
وبعدين لأبويا.
وللكرسي اللي قضيت عليه سنتين وأنا بحاول أصغر نفسي، وأخلي وجودي في البيت مايبانش.
وبعدين بصيت لإيده الممدودة قدامي.
ولأول مرة من يوم وفاة حسام…
كان فيه حد بيعرض عليّا حياة جديدة من غير ما يطلب مني أثبت إني أستحقها.
مديت إيدي.
وقلت:
“هروح.”
أبويا رفع راسه بسرعة.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *