اربع ساعات بعد الدفن

 

“استخدم جزء منها عشان تعمل حاجة كنت طول عمرك بتقول إنها ملهاش لازمة.”

 

قريت الجملة الأخيرة.

 

وكانت:

 

“اعمل مكتبة عامة مجانية باسمنا.”

 

ضحكت وأنا بعيط.

 

كنت طول عمري بقول لها:

 

“مين هيقرا الكتب القديمة دي؟”

 

وهي كانت ترد:

 

“اللي لسه قلبه عايز يتعلم.”

 

بعد سنة واحدة…

 

اتفتحت مكتبة صغيرة في الحسين.

 

على بابها لوحة مكتوب عليها:

 

مكتبة طارق وزينب للكتب والترميم.

 

وكان الدخول مجاني.

 

والكتب مجانية.

 

وورشة زينب بقت مكان بيتعلم فيه الأطفال والشباب ترميم الكتب القديمة.

 

أما نادية…

 

فكانت أول واحدة تشتغل هناك.

 

من غير مرتب في البداية.

 

كانت بتقول:

 

“دي أقل حاجة أعملها لماما.”

 

وفي يوم وقفت جنبي قدام صورة زينب.

 

قالت:

 

“بابا… هي كانت عارفة إنك هتكتشف كل حاجة؟”

 

ابتسمت.

 

وقلت:

 

“أمك كانت عارفة أكتر مننا كلنا.”

 

سألتني:

 

“طب ليه ما قالتلكش؟”

 

بصيت لصورتها.

 

وقلت:

 

“عشان كانت عارفة إن بعض الحقايق لما تيجي في وقتها بتدمر الإنسان… لكن لما تيجي في الوقت الصح بتخلّيه يبدأ حياته من جديد.”

 

وسكت شوية.

 

وبعدين قلت:

 

“وأمك كانت مستنية الوقت الصح.”

 

عدت سنين.

 

وفي كل مرة حد كان يسألني:

 

“إيه أغلى حاجة خرجت بيها من كل اللي حصل؟”

 

كنت ببص على صورة زينب.

 

وأقول:

 

“إن الإنسان ممكن يعيش سبعين سنة وهو فاكر إنه هو اللي بيحمي بيته.”

 

“وبعدين يكتشف في آخر عمره إن الشخص اللي كان فاكره أضعف واحد فيه… كان هو الحائط اللي واقف بينه وبين كل الشر اللي حواليه.”

 

أما الدفتر الأزرق القديم…

 

فأنا ما رميتوش.

 

حطيته في صندوق زجاجي صغير في مكتبة زينب.

 

مش عشان الناس تعرف قيمة المية وستة وأربعين مليون جنيه.

 

لكن عشان يفتكروا حاجة أهم.

 

إن أغلى الأسرار أحيانًا بتكون مستخبية في أبسط الأماكن.

 

وإن مش كل حد بيضحك في وشك بيحبك.

 

ومش كل شخص ساكت يبقى ضعيف.

 

وأحيانًا…

 

الست اللي بتقعد تصلح كتاب قديم في ركن صغير بعيد عن الناس

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *